حذر الكاتب محسن عثمان من تداعيات تسارع ملف ترسيم الحدود البحرية بين السودان والسعودية، الذي ظل عالقًا لما يقرب من نصف قرن، في وقت تخوض فيه الخرطوم حربًا مستمرة منذ أبريل 2023. ويرى عثمان أن أي ترتيبات جديدة بين البلدين على ساحل البحر الأحمر قد تمس مصالح مصر، التي تحد السودان جنوبًا وتشترك مع السعودية والسودان في السواحل والممرات البحرية للبحر الأحمر.


ونشر موقع يورو ريبورتر مقال عثمان الذي تناول فيه تطورات ملف الحدود البحرية السودانية السعودية، وانعكاساته المحتملة على المصالح المصرية، ولا سيما في ما يتعلق بمثلث حلايب والموارد البحرية وأمن الملاحة المتجهة إلى قناة السويس.


السودان والسعودية يعيدان فتح ملف الحدود البحرية

 


اندلعت الحرب بين الجيش السوداني وقوات الدعم السريع في 15 أبريل 2023، واستمرت رغم الجهود الإقليمية والدولية والأممية لإنهائها، فيما وصفت الأمم المتحدة الأزمة الإنسانية الناتجة عنها بأنها الأسوأ عالميًا.


وفي 14 سبتمبر 2026، ترأس قائد الجيش السوداني الفريق أول عبدالفتاح البرهان اجتماعًا للجنة معنية بالترتيبات المالية والاستثمارية المرتبطة بالمجلس الأعلى للتعاون والتنسيق الاستراتيجي بين السودان والسعودية. وكان وزيرا خارجية البلدين قد وقعا في الرياض، في 17 أغسطس، الاتفاق التأسيسي للمجلس، وفق ما أوردته وكالة السودان للأنباء.


وأسند الاجتماع إلى هيئة الموانئ البحرية مهمة تنسيق عمل المؤسسات المدنية والعسكرية، كما أتاح للأمانة التنفيذية الاطلاع المباشر على الخرائط والوثائق التاريخية المتعلقة بالبحر الأحمر وحدود السودان. وشُكلت كذلك لجنة فنية من مفوضية الحدود الوطنية والقوات البحرية لمراجعة الخرائط والوثائق القانونية وإعداد مسودة لخطة ترسيم الحدود البحرية، إلى جانب الموافقة على إنشاء مراكز للمراقبة البحرية بالتنسيق مع ميناءي جدة وينبع السعوديين.


ورغم أن هذه الترتيبات تبدو ثنائية بين الخرطوم والرياض، فإنها قد تثير اهتمام القاهرة، في ظل موقع مصر الحدودي مع السودان واشتراك الدول الثلاث في البحر الأحمر.


لماذا تراقب مصر تحركات السودان والسعودية؟

 


قد يؤثر أي ترسيم جديد للحدود البحرية السودانية السعودية في ثلاثة ملفات شديدة الحساسية بالنسبة إلى مصر، هي مثلث حلايب والموارد البحرية وأمن حركة السفن المتجهة إلى قناة السويس.


ووقعت مصر والسعودية اتفاقية لترسيم حدودهما البحرية في أبريل 2016، لكن السودان اعترض عليها أمام الأمم المتحدة، معتبرًا أن سبع نقاط أساس على الخط المصري السعودي تمتد إلى مياه مرتبطة بمنطقة حلايب التي تطالب الخرطوم بالسيادة عليها. ورفضت مصر هذا الادعاء في إعلان قدمته إلى الأمم المتحدة في ديسمبر 2017، مؤكدة سيادتها على الأراضي الواقعة شمال خط عرض 22 درجة وعلى المياه البحرية المتاخمة لها.


وقد يحافظ أي خط حدودي سوداني سعودي يتوقف عند خط عرض 22 درجة على اتساقه مع الحدود البحرية المصرية السعودية، لكن استخدام الخرطوم للمفاوضات للضغط بشأن مطالبتها بحلايب قد يعيد النزاع إلى الواجهة. وفي المقابل، أوردت صحيفة «ذا ريبورتر» الإثيوبية في أغسطس 2025 أن البرهان طلب من مفوضية الحدود الوطنية، في مايو من العام نفسه، اعتماد خريطة تضع حلايب داخل الأراضي المصرية.


وتشكل الملاحة البحرية مصدر قلق آخر للقاهرة، بعدما قال رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي في يناير 2026 إن مصر خسرت نحو 9 مليارات دولار من إيرادات قناة السويس المباشرة خلال عامين بسبب اضطرابات البحر الأحمر. وفي سبتمبر، سيطرت قوات الحوثيين على أجزاء من الساحل اليمني للبحر الأحمر وعززت نفوذها في مضيق باب المندب، البوابة الجنوبية لقناة السويس، وفق ما أوردته «الجزيرة».


وقد تزيد أي ترتيبات أمنية أو استثمارية جديدة على الساحل السوداني، يجري تنسيقها مع جدة وينبع دون القاهرة، من حجم المخاطر التي تواجهها مصر على هذا المسار الملاحي. ومع ذلك، تواصل القاهرة والرياض التنسيق الوثيق بشأن السودان؛ إذ أكد الجانبان، خلال لقاء ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان مع رئيس الانقلاب عبدالفتاح السيسي في القاهرة في 15 سبتمبر، أن أي تهديد لوحدة السودان يمثل خطرًا على الأمن الجماعي للبلدين، بحسب «الجزيرة».


خلفية تاريخية وثروات البحر الأحمر

 


لا توجد مؤشرات على بدء اللجنة الفنية محادثات رسمية مع السعودية بشأن ترسيم الحدود البحرية حتى الآن.


وكانت مصر قد أجلت تحركات مشابهة العام الماضي عبر الضغط على البرهان، وفق تقارير إعلامية. ففي أكتوبر 2025، طلب البرهان تأجيل الصيغة النهائية للاتفاق السعودي إلى حين تشاور السودان مع مصر، بحسب تلك التقارير. وكانت اللجنة السودانية السعودية المشتركة قد عقدت اجتماعًا في 20 سبتمبر 2025 برئاسة الأمين محمد بنقة لمناقشة تعديلات على مسودة الاتفاق، وفق ما أوردته صحيفة «ذا ستاندرد».


ويرجع ملف ترسيم الحدود البحرية بين السودان والسعودية إلى ستينيات القرن الماضي، عندما اكتُشفت رواسب غنية بالمعادن في قاع البحر الأحمر، من بينها منطقة أتلانتس 2 ديب الواقعة بين جدة وبورتسودان، والتي تعد واحدة من أكبر مكامن الزنك والنحاس والفضة والذهب المعروفة في قاع البحر.


وبدأت المفاوضات في جدة خلال يوليو 1973، ثم وقع البلدان اتفاقًا في الخرطوم في مايو 1974 وسُجل لدى الأمم المتحدة. ويمنح الاتفاق كل دولة حقوقًا حصرية في المناطق القريبة من سواحلها، كما ينشئ منطقة مشتركة في وسط البحر الأحمر لاستغلال الموارد بصورة مشتركة.
 

وأعلن السودان والسعودية في 2019 إطلاق جهود مشتركة لإحياء الاتفاق، فيما قدرت دراسة أجراها معهد كيل للاقتصاد العالمي عام 2011 القيمة الحالية للعائدات الإجمالية المحتملة من منطقة أتلانتس 2 ديب بما يتراوح بين 3.1 و8.2 مليار دولار، بحسب نوع المعادن محل الاستغلال.


ويعود اتفاق 1974 إلى ما قبل اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار الموقعة عام 1982، وهو ما يدفع بعض الخبراء القانونيين إلى المطالبة بمراجعته بما يضمن حماية مصالح السودان.


ويكتسب تحريك ملف الحدود البحرية بين السودان والسعودية أهمية تتجاوز مسألة ترسيم الخطوط البحرية، إذ يرتبط بمصالح استراتيجية تتعلق بالموارد الطبيعية وأمن الملاحة وممرات التجارة الدولية. كما قد تفرض أي ترتيبات جديدة واقعًا جيوسياسيًا يتطلب من القاهرة مراقبة انعكاساته على حلايب والبحر الأحمر وقناة السويس عن كثب.

 

https://www.eureporter.co/world/saudi-arabia/2026/09/24/the-red-sea-border-question-sudan-saudi-arabia-and-egypts-interests/